Home مقالات

ما هي عوامل الازدهار الاقتصادي المستديم؟ وكيف نفسّر الأوضاع الاقتصادية لدى المسلمين؟

ما هي عوامل الازدهار الاقتصادي المستديم؟
وكيف نفسّر الأوضاع الاقتصادية لدى المسلمين

السيد عباس نورالدين

كيف يمكن لأي مجتمع أن يحقّق الاستقلالية الاقتصادية في زمن السوق الحرة ومنظمة التجارة العالمية، وفي ظل النظام العالمي الذي تهيمن عليه قوى الرأسمالية المتكبرة؟

يمكن لأي مجتمع يتمتع بهوية اجتماعية حقيقية، أن يزدهر ويستقل اقتصاديًا. والمجتمع الحقيقي، هو الكيان الذي تشكّل ونما على مدى العصور بناء على التفاعل الثقافي الطبيعي وأطر ثقافية مشتركة؛ بخلاف العديد من المجتمعات الوهمية أو المختلقة التي قامت القوى الاستعمارية بتركيبها وفق أطر سياسية تتفق مع أهدافها ومصالحها، بحيث تبقى محتاجة إليها حتى بعد خروج جيوشها منها.
 نعم قد يتمكّن هذا المجتمع الذي ركّبته تلك القوى الاستعمارية من إعادة تشكيل نفسه وتحقيق استقلالية سياسية  تمكّنه من تشكيل هوية اجتماعية حقيقية. لهذا، يُعدّ التغيير السياسي مقدمة أساسية لأي تحوّل على طريق الازدهار الاقتصادي.
إنّ الاستقلال السياسي والهوية السياسية الحقيقية تعني قدرة المجتمع على إنتاج نظامه السياسي الذي يتناسب مع ثقافته ويُحقّق له الاستقلال، الذي يضمن عزته القومية ويصونها ويمنحه القدرة على التعبير عن قراره ورسم مصيره بحرية واستقلال في الساحة العالمية. من هنا، لا بدّ للذين يريدون لمجتمعاتهم أن تزدهر أن يبدأوا من النظام السياسي، الذي يُفترض أن ينهض بأعباء إدارة عجلة الاقتصاد وتوجيه الأنشطة الاقتصادية العامة والخاصة، لأنّ الاقتصاد الفردي أو الخاص يحتاج إلى بيئة تتمتع بقوانين وأنظمة توفّر أفضل ظروف العمل والإنتاج؛ وهذا ما يقع على عاتق الحكومة أو الدولة.
ولا نقصد ها هنا أن نشير إلى النظام الاشتراكي أو أن نلمّح إلى النظام الرأسمالي، بل تأكيدنا هو على مسؤولية الدولة كمؤسسة تعبّر عن ثقافة المجتمع وتمثل إرادته. فالدولة هي النظام السياسي الذي يتجلى بالقيادة والإدارة. وحين يتمكن المجتمع من تشكيل نظام سياسي يعمل ليل نهار على تأمين البيئة المثلى للمشاريع والأنشطة الاقتصادية، فإنّه يكون قد حقّق الخطوة الأساسية على طريق الازدهار المستديم.
إنّ الدولة أو الحكومة الشعبية تُعد مقدمة أساسيّة لهذا الازدهار، لكنّها ليست علّة تامّة، فلا بدّ للمجتمع من تبنّي مجموعة من القيم التي تزدهر الأنشطة الاقتصادية في ظلّها. فحين تشكل القيم الواقعية الصحيحة الأرضية التي ينطلق منها العمل الاقتصادي الإنتاجي، سيتمكّن المجتمع من مضاعفة ثرواته القومية ومن أن يبدّل الكامن إلى فاعل، بشرط أن لا يسقط في فخ إنتاج المال أو تكديس الثروات النقدية، التي هي شعار الرأسمالية ومن يعتقد بها؛ والتي تُعدّ آفة الاقتصادات الكبرى.
لا بدّ لأي حركة اقتصادية عامة أن تنطلق من الإمكانات والثروات المتاحة داخل هذا المجتمع أو ذاك وأن تتمحور حولها؛ سواء كانت زراعية أو معدنية أو طبيعية جمالية أو مناخية أو ثقافية أو علمية، وذلك من خلال تفعيل دور الإنسان في الإبداع والعلم والنشاط.
وعليه يُعد العلم القيمة الأولى الذي ينبغي أن تنطلق منه هذه الحركة؛ حيث يعمل الناس بواسطة المنهج العقلي والاستدلالي والبحثي على اكتشاف الإمكانات وفهمها ومعرفة آفاقها ومدياتها. فالعلم هو الذي يساعد على استخراج تلك الثروات الكامنة ومعرفة كيفية استثمارها وتطويرها وتوزيعها بما يضمن استمرارية هذه الحركة الاقتصادية الفاعلة.
إنّ التوزيع الخاطئ أو السيّئ لنتاج الحركة الاقتصادية يمكن أن يُولِّد عقبات كبيرة أمام حركة الإنتاج نفسها؛ منها نشوء جماعات ضغط تعمل لمصلحة أقليات نافذة داخل النظام السياسي، كما حدث داخل المنظومة الرأسمالية الغربية، ما يؤدي إلى تشكل عجلة اقتصادية خبيثة تدور وفق مصالح ضيقة وفاسدة؛ وهو ما حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}.
أجل، من الطبيعي أن تتمكن فئة قليلة من الناس من امتلاك علم مميّز وقدرات إضافية ونشاط أكبر، ما يؤدي إلى تراكم نوع من الثروات الإضافية في أيديهم؛ وهنا سيحتاج المجتمع إلى قيمة ثانية ترتبط بالإنتاج والعمل ونبذ تجميع الثروات وتحويلها إلى أموال مكدسة في البنوك. فالمال الفائض والمكدّس يدعو إلى القدرة والسلطة، بالإضافة إلى شل الاقتصاد وتغليب المصالح الضيقة على المصالح الكبرى والاستراتيجية.
من هنا تحتاج الدولة إلى العلم لبناء رؤية واضحة، بدءًا من الاكتشاف وصولًا إلى التوزيع، يضمن عدم نشوء هوّة اجتماعية تؤدي إلى تشكّل الطبقات، جرّاء الهوّة الاقتصاديّة. فلا شيء يهدر الطاقات ويضيع الإمكانات داخل أي مجتمع مثل النظام الطبقي.
والعلم المطلوب ها هنا هو العلم بتلك الدورة الاقتصادية البنّاءة التي يزداد الجميع فيها ثراءً واقتدارًا، ويكون أول المستفيدين هو تلك الأرض والإمكانات الكامنة والثروات الطبيعية، لأنّها أساس الازدهار المستديم. فلا يصح أن يكون العلم سببًا لضمور الثروات وهدرها وإتلافها وزوالها وتخريب الأرض، كما حصل جراء التنقيب والمناجم والآبار و...
قد تكون العديد من الأعمال الاقتصادية الحالية ذات مردود سريع وكبير، لكنّها قد تؤدي على المدى البعيد إلى عواقب هدّامة تفتك بالثروة وتشل عجلة الازدهار. لأجل ذلك، تحتاج البشرية إلى العلم الذي يدلها على كيفية الاستفادة من الثروات المتاحة والإمكانات المستودعة في الأرض بطريقة مستديمة، بل بطريقة تؤدي إلى زيادة هذه الثروات والإمكانات. إنّ الازدهار الاقتصادي الذي نتطلع إليه هو الذي يضمن معدلات نمو متزايدة، بدل الوقوف عند معدل ثابت، وإن كان إيجابيًا.
القيمة الثانية هي الإتقان، لأنّ الإتقان يُعبِّر عن الاستفادة المثلى من الثروات الكامنة والمتاحة في المجتمع. فالإتقان يحفظ هذه الثروات أولًا، ويرتقي بها ثانيًا. وحين تضيع هذه القيمة، يحل محلها الهدر والإتلاف والإسراف والتبذير.

 ربما لا نجد مجتمعًا أو دولة لا تعاني من  مشكلة هدر الثروات، ومع ذلك فالكثير منها يشتكي من قلة الموارد. لكن لو تأمّلنا في العجلة الاقتصادية، سواء على مستوى الزراعة أو الصناعة أو حتى الخدمات، لن يطول الأمر حتى نكتشف أنّ السبب الأول وراء قلة الإمكانات هو الهدر الناشئ عن غياب ثقافة الإتقان. فالإتقان يرتبط أولًا بدور الإنسان، ويتطلب العمل على التدريب والتعليم وربط الحركة العلمية في المجتمع بالإنتاج.
 وبالإضافة إلى علاقته بالعلم، يرتبط الإتقان بقيمتين محوريتين هما: الصدق والأمانة. لذلك لا يمكن للمجتمع أن يحقّق الازدهار الاقتصادي المستديم ما لم تسد فيه هذه القيم، حيث يلتزم العاملون بقيمة الصدق في العهود والوعود والاتفاقات، بالإضافة إلى تحمل المسؤولية تجاه الموارد والإمكانات، انطلاقًا من كونها أمانة إلهية أُوكلت إليهم وسوف يُسألون عنها يوم القيامة. فالأمين لا يتصرّف بهذه الموارد بحكم التملّك والاستحواذ والجمع والتكديس، بل يرى نفسه مؤتمنًا عليها، وعليه أن يفعّل إمكانات الأرض ويقودها نحو أحمد غاياتها.
إن سيادة قيمتي الصدق والأمانة في أي مجتمع هو الذي يعزز قيمة الثقة التي يحتاج إليها الناس في المعاملات المختلفة، والتي هي أساس بناء الشراكة الاقتصادية وتضافر الجهود والسعي على طريق الإبداع والمخاطرة. ولا يمكن للقانون وحده أن يحقق هذه الأمور في ظل غياب قيمتي الصدق والأمانة؛ بالإضافة إلى ما سينشأ عن ذلك من تعويق للأنشطة الإنسانية وحرفها عن وجهتها الصحيحة.
تستطيع الحكومات أن ترسّخ هذه القيم في المجتمع من خلال سياسات تعليمية وبرامج ثقافية إبداعية عميقة، تنطلق من الأصول الثابتة في الثقافة. ولا حاجة للتأكيد على أنّ المسلمين الموالين لأهل البيت (ع) يمتلكون أفضل الأصول الثقافية التي يمكن العمل عليها لترسيخ هذه القيم الأساسية للازدهار.
 إنّ بداية النهضة الاقتصادية المنشودة تكون في الثقافة، ولا معنى للعمل الثقافي خارج إطار القيم الاجتماعية الحضارية الكبرى.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center