Home مقالات

الدور الأساسي للجامعة في المجتمع

الدور الأساسي للجامعة في المجتمع
السيد عباس نورالدين

إنّ الدور الأوّل للجامعة في أي مجتمع يسعى للنهوض والتطور والازدهار، ينبغي أن يتمحور حول الاستفادة المثلى من كل الطاقات العلمية الموجودة فيه، والاستفادة منها على طريق وضع الخطط والبرامج في هذا الاتجاه، وتوجيهها نحو الأهداف المنشودة؛ أي إنّ الجامعة لا تنحصر في إطار تقديم الدروس من قبل بعض المدرسين المتفرغين والمتعاقدين، بل ينبغي أن تتوسع لتكون محلًّا يشعر فيه كل صاحب علم في هذا المجتمع، بأنّه يستطيع أن يقدم علمه ويستثمره ويتفاعل مع هذه البيئة العلمية، التي ينبغي أن تكون متناسبة مع وضع البرامج والخطط وتوجيه الطاقات.
حين يدخل الطالب الجامعي إلى هذه الجامعة، فهو وإن كان شخصًا منفتحًا على كل الطاقات العلمية الموجودة في العالم، فإنّه يجد نفسه متصلًا بكل الطاقات العلمية المتوفرة في بلده ومجتمعه، باعتبار أنّ هذه الطاقات المحلية هي الطاقات المستعدة بالدرجة الأولى للدخول في مشروع تطوير المجتمع؛ فتكون الجامعة محل التقاء هذه الطاقات وتفاعلها وتحاورها وتبادل الخبرات. ويتمثل دور الإدراة  في تنظيم هذه العملية للوصول بها إلى أعلى درجات التفاعل.
كما يجب على المدرس الجامعي أن يكون نموذجًا لهذه القضية، فلا يكتفي بعرض المطالب العلمية التي درسها أو التي تُعرض في الكتب والمناهج، بل يسعى دومًا للاستفادة من كل الطاقات المرتبطة بالعلم الذي يقدمه، ويفتح ذراعيه ومختبراته لأيّ طاقة علمية متوفرة يمكن أن تعينه في هذا المجال.
بناءً عليه، ينبغي أن يتحوّل التعليم في الجامعة إلى التعليم على أساس المشاريع. يبدأ المدرس مع طلابه، منذ السنوات الأولى، بوضع الأسس والمقدمات اللازمة لمشروع يكون مرتبطًا بتطوير البلاد والاستفادة من ثرواتها؛ ما يعني أنّ جزءًا مهمًّا من التعليم الجامعي ينبغي أن يدور حول اكتشاف الثروات المحلية بمختلف أبعادها، ويتخرّج الطالب من الجامعة وهو يحمل تصورًا دقيقًا حول الواقع والأهداف المرجوّة في أيّ مجال من المجالات العلمية.
فلو أخذنا التعليم في كلية الهندسة، فعلى الكلية وضع مشاريع لتحسين الطرقات في البلد على سبيل المثال، ما يستدعي معرفة دقيقة بالطرقات وبكل وسائط النقل وحاجات البلاد والمشاكل التي تعاني منها هذه الطرقات وأمثال ذلك؛ فيكون التعليم في هندسة الطرقات متجهًا نحو هذا المشروع الكبير الذي قد يعمل عليه مجموعة كبيرة من المهندسين على مستوى التخطيط والمقترحات والإبداع والاختراعات والابتكارات؛ بمعزل عمّن سينفذ هذا المشروع.
مثال آخر، لو أردنا الارتقاء بالمجتمع على مستوى القيم، ينبغي للتدريس في الاختصاصات التي لها ارتباط بالنهضة الثقافية للمجتمع، كالتربية والتعليم أو الإعلام أو بعض العلوم الإنسانية، أن يكون على أساس مشروع حاضر، تتشكل على أساسه الخطط المختلفة وتتجه الطاقات نحوه ويتم بناء الطالب على أساسه.
وباختصار لو أرادت الجامعة أن تؤدي دورها المطلوب على مستوى النهوض بالمجتمع، ينبغي لها أن تكون محلًّا لانطلاق المشاريع وبناء الخطط، شرط أن يكون ذلك قائمًا على أساسين:
الأساس الأول: الارتباط الحقيقي بكل الطاقات العلمية المتاحة.
والأساس الثاني: تفعيل هذا الارتباط ضمن البيئة الجامعية.
لا ينبغي للجامعة أن تكون محلًّا مغلقًا، بل هي المكان الأوحد الذي يتم فيه التفكير والتخطيط والبحث بطريقة علمية حول الواقع وكيفية النهوض به. فالوزارات والمؤسسات التنفيذية لا تمتلك الإمكانات اللازمة للتفكير بهذه السعة وبهذه الراحة. لذا، يجب أن تكون الجامعة هي الرافد الأول لكل الإدارات والمؤسسات التنفيذية، بحيث تعرض نتاج مشاريعها ومخططاتها على مستوى البلاد كلها، فيشكل ذلك نوعًا من الضغط الإيجابي على هذه المؤسسات التنفيذية لكيلا تتفرد بالتخطيط للبلاد وتنفيذ المشاريع وفق الأطر الضيقة المحدودة التي تمليها الحياة القصيرة للوزارات أحيانًا.
إنّ قيام الجامعة بهذا الدور يتطلب منها أن تكون محلًّا يضع فيه أهل الفكر والعلم أفكارهم ومشاريعهم ومقترحاتهم وإنجازاتهم العلمية والفكرية؛ وأن تجري فيها عملية التقييم والدراسة والتحليل لهذه الإنجازات.
كما أنّ انفتاح الجامعة على الطاقات العلمية والفكرية في البلاد، يستلزم أن تكون الجامعة بيئة تسهل وصول المفكرين والمبدعين إلى الطلاب والعكس، بحيث يتبادلون الأفكار والهواجس والهموم والتطلعات.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center