غيرة النساء سبيل الشهادة
السيد عباس نورالدين

ورد في كتاب مستدرك الوسائل عن رسول الله (ص) أنّه قال: "كُتِبَ‏ الْجِهَادُ عَلَى‏رِجَالِ أُمَّتِي وَالْغَيْرَةُ عَلَى نِسَائِهَا، فَمَنْ صَبَرَتْ مِنْهُنَّ وَاحْتَسَبَتْ أَعْطَاهَا اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ".[1]الجهاد عظيم عند الله لما فيه من تضحية وفداء وصبر وتحمل، وأهم ما فيه أنّ الإنسان يواجه كل تلك المخاوف والمكاره ويُقدِم، فيفوز بالتالي بمقام الشهادة الأعظم.
كل من يدخل ساحة الجهاد ويعمل بمستلزماته من الصبر والثبات والإقدام والتحمل والاستعداد للتضحية بكل أشكالها، فإنّه يتّصل بمقام الشهادة الأعظم، أي النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، ولا يحجبه عنه سوى تعلقات الدنيا، كأن يكون مجاهدًا لكنّه في الوقت نفسه يكون منتظرًا لانتهاء الجهاد ليرجع إلى أهله ووطنه وراحته. لكن ما دام المرء مجاهدًا فإنّه يكون متّصلًا بذلك المقام المنيع، وسر ذلك أنّ في الجهاد مواجهة للمكاره {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُم‏}،[2]فمن يواجه مكاره النفس ويتغلب عليها يفوز.
النساء أيضًا يدخلن هذه الساحة، وإن اختلف الشكل؛ إلا إنّ روح ومضمون وجوهر الامتحان واحد، لأنّ الجميع يواجهون مكاره النفس وعليهم أن يضحّوا ويصبروا ويتجاوزوا الأنانية والرغبات، ليكون لهم الفوز في النهاية.
ففي الجهاد العسكري، نعلم جيدًا ما الذي يواجهه المقاتل في سبيل الله من مكاره؛ أمّا في الحياة الاجتماعية، ولا سيما في البيئة الإسلامية التي ترتبط بمجموعة من التشريعات المتعلقة بالزواج، تواجه النساء نوعًا آخر من المكاره أي تلك المواقف التي تتطلب منهنّ الصبر والتحمل والتضحية والاستعداد للتنازل عن متعلقات النفس ورغباتها. فالمرأة التي يرتبط زوجها بأخرى، تواجه مجموعة من المكاره، منها موقف الغيرة الذي يجعلها تتألم وتنزعج كثيرًا من هذا الارتباط. وفي ذلك مكروه اجتماعي أيضًا، من ناحية ما يمكن أن تتعرّض له المرأة من مواقف تقلل من شأنها من قبل الآخرين؛ ومكروه نفسي خاص يرتبط بحاجتها إلى وجود زوجها معها كل ليلة مثلًا. فإذا ارتبط زوجها بامرأة أخرى أو كاد، فإنّها ستشعر بأنّها تخسر أو ستخسر هذه النعمة أو هذا الشيء الذي تحبّه، وهو أمرٌ مكروه للنفس؛ فإذا صبرت عليه، في الله وبالله، لا صبرًا عشوائيًّا، تكون قد اتّصلت بذلك المقام العظيم للشهادة؛ ذلك لأنّ الصبر على المجتمع يؤكد مجموعة مهمة من القيم الاجتماعية والمعنوية في الحياة البشرية تمامًا كما يفعل الجهاد في سبيل الله.
فالتي تصبر على إساءات الناس أو نظرتهم الخاصة لها، فإنّها تعطي نموذجًا للصبر والمعنويات والرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، والأهم  من ذلك هو الرضا بتشريعات الله عز وجل. وهذا لا يعني أن تصبر المرأة على مطلق التصرفات التي يقوم بها الزوج حتى لو كانت خاطئة أو مخالفة للشريعة، بل ربما عليها في هذه الحالة أن تعمل بمقتضى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالصبر المطلوب هو في المواقف التي لا يكون الرجل في موقع ارتكاب الحرام، بل ربما في مقام فعل المستحب. حين تصبر المرأة في هذه المواقف تثبت للمجتمع أنّها راضية بحكم الله ومسلّمة لشريعة الله، وهذا التسليم يقدم للمجتمع أفضل نموذج للإسلام الواقعي والإيمان الحقيقي.
وإن صبرت المرأة على مستوى الذات، كأن تصبر على افتقاد بعض المتع والرغبات، فإنّ هذا يؤهلها للخروج من سجن النفس والانتقال من عالم الأنانية إلى عالم الاتصال بالله، كما يحصل للشهيد الذي يتنازل عن نفسه ويقدمها لله سبحانه وتعالى؛ فكلاهما يقدم نفسه، سواء في مواجهة المجتمع أو في مواجهة أهواء هذه النفس ورغباتها.
هذا الامتحان لا يكتمل إلا بعد تمام هذه الحياة، لأنّ بعض الناس قد يجاهدون ويتصلون بالشهادة لكنّهم يتخلون عن هذا المقام فيما بعد؛ وكذلك بعض النسوة ربما يصبرن سنة أو سنتين أو مدة معينة لكنّهن بعد ذلك قد يتخلّين عن صبرهن فيخسرن هذا المقام وهذا الثواب العظيم. فالمسألة تكمن في تحقيق النتيجة والثبات على هذه النتيجة حتى انقضاء هذا العمر.

 

[1]. مستدرك الوسائل، ج14، ص 237.

[2]. سورة البقرة، الآية 216.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center