Home مقالات

لماذا لم نتمكن من مأسسة أهم أنشطتنا؟ أين تكمن مشكلة العمل الثقافي في مجتمعاتنا

لماذا لم نتمكن من مأسسة أهم أنشطتنا؟
أين تكمن مشكلة العمل الثقافي في مجتمعاتنا

السيد عباس نورالدين

إذا كان المعنى الأساسي للعمل الثقافي يتمركز في تلك الأنشطة الواعية تجاه قضية الثقافة كمحرك أساسي للمجتمع، فإنّ مجتمعاتنا المسلمة لم تعرف يومًا أي نوع من الأنشطة الثقافية التي تعمل ضمن إطار مؤسّساتي، سوى قبل عقود قليلة من الزمن.. وقد تزامن هذا النشاط المؤسساتي الحديث العهد مع وجود مؤسسات ثقافية مستوردة من الغرب، يتمتع بعضها بتاريخ عريق نسبيًا كالجامعات والسينما والمسرح والمجلات.
وهكذا قام الإسلاميون باستيراد الوسيلة في معظم الحالات من دون النظر بعمق إلى كيفية تولدها ونشوئها وطبيعة عملها ومستلزماته ومقدّماته، ولا آخذين بعين الاعتبار مسار تطوّرها وأطوارها.. وقد أراد بعض الحريصين أسلمة هذه الوسائل، بيد أنّه لم يكن في أيديهم من العدّة والعتاد ما يعينهم على ذلك، سوى مشاعر النخوة الدينية ونبذ الاستيراد الأعمى.
لم تكن الساحات الفكرية الإسلامية متوافرة على الأدوات الاجتهادية اللازمة لدراسة هذه الوسائل التي أُريد لها أن تكون مؤسسات فاعلة في المجتمع، كما أنّها افتقدت منذ البداية إلى التنظير الفكري المتناسب مع القضايا التي ينبغي أن تُعنى بها تلك المؤسسات.
كل هذا شكل عقبات حقيقيّة أمام حاجة المجتمعات المسلمة الملحة إلى هذا النوع من المؤسسات؛ فلا يمكن إدارة البلاد بلا تلفاز؛ هذا، في الوقت الذي لم تخضع المؤسسات الإعلامية المعنية ـ والتي يُفترض أن تبثه مؤسلمًا ـ للمعايير التي تجعله وسيلة فاعلة لتوجيه المجتمع والنهوض به.
وهكذا أصبح التلفاز الإسلامي منبرًا سطحيًّا محدود التأثير مقارنة بالقدرة الكبيرة الكامنة فيه؛ وسرعان ما رأيناه يتصاغر أمام ضخامة اجتياح القنوات والمؤسسات الإعلامية الأخرى.
إنّ العديد من مؤسساتنا الثقافية يتحرّك ويعمل في دوائر فراغ محدودة، وبقوة المال وضخه، لا بقوة الإبداع وبُعد الرؤية.. فكيف لهذه الصروح أن تكون بمستوى التحدي، بل بمستوى المسؤولية والمهمة، إن لم تقم على أسس نظرية متينة؟!
وكلما استطال البناء وتشعبت أعماله، ازداد التأصيل والأسلمة صعوبة. مثلما يُقال اليوم بشأن بعض المؤسسات التعليمية ذات الاسم الإسلامي، بأنّنا غير قادرين على تأصيلها لأنّنا سنضطر إلى التخلص من مئات العاملين الموظفين فيها، ناهيك عن استبدال رؤوس ومدراء لهم امتدادات سياسية نافذة.
فالمصيبة الأولى التي نزلت على رأس المجتمع المسلم الذي ينشد التغيير والتقدم نحو أهداف الإسلام، تمثلت في العجز عن بناء مؤسسات تعمل على ثقافته بما يتناسب مع هذه التطلعات؛ وهكذا أضحت المؤسسات الحالية بأغلبيتها عاملًا معرقلًا بدل أن تجتذب المبدعين وأصحاب الطاقات الفاعلة؛ ولأجل ذلك سمعنا من قادة هذه النهضة تعبيرات ممتزجة باليأس والتبرؤ، ودعوات إلى تفعيل الأنشطة الفردية أو الشعبية كبديل عن الرسمية والحكومية.
إنّ المتأمل من بعيد قد يظن أنّ المشكة كامنة في العقلية الإدارية المتخلفة التي تسيطر على أغلب مؤسساتنا الثقافية (جامعات ـ معاهد ـ قنوات إعلامية..)؛ لكن هذا الجانب، وإن كان بعمومه صحيحًا، لكنّه لا يمثّل سوى جزء من المشكلة، إن لم نقل إنّه كان أثرًا من آثارها.
كل مؤسسة تكون في ماهيتها وهويتها ساحة للإبداع، (وهذا هو معنى المؤسسة الثقافية)، ثم تعجز عن الانسجام مع هويتها، فسوف تصبح محلًا للعاطلين والفاشلين، وسرعان ما ستطرد المبدعين، وتتحول إلى بؤرة للإدراة المتخلفة يتوارثها رؤساء لا يجيدون سوى المحافظة على الوضع القائم، جيلًا بعد جيل. فالمشكلة في أساسها ترجع إلى الأصول والقواعد التي قامت عليها تلك المؤسسات، وما نجم عنها من تشخيص للكفاءات اللازمة لإدارتها.
إذا كانت المؤسسة الثقافية التي تنوي إقامتها عبارة عن جهاز لضبط أنشطة الناس الثقافية، يكفي أن تضع على رأسها ضابطًا يعرف الحلال والحرام.
وإذا كانت المؤسسة الثقافية التي تزمع على إنشائها عبارة عن أداة للحد من تفلت أهل الفكر وتهور المبلّغين، يكفيك أن توليها لشخص يجيد تدوير الزوايا ويمنع وقوع المشاكل التي تنشأ من اختلافات الرأي، ولا يجلب لك أوجاع الرأس عبر مشاريع وطموحات تتطلع إلى إحداث ثورات حقيقية في المجتمع.
كيف ينظر قادة المجتمع إلى مؤسساته الثقافية وما الذي يتوقعونه منها، سيكون له أكبر الأثر على أدائها؛ ومثل هذا النظر إنّما ينبع من مستوى الفكر الذي يحمله هؤلاء القادة وأصحاب القرار والمال عن طبيعة هذه المؤسسات وماهيتها؛ الأمر الذي يأخذنا مرة أخرى إلى قضية المنشأ وقضية الاستيراد المتسرع لهذه المؤسسات بمختلف أنواعها.
لهذا، يحتاج القادة والمسؤولون إلى البدء مجددًا من بناء الأصول النظرية، التي ستفرض بطبيعتها موضوعات جديدة للاجتهاد؛ لكنّها هذه المرة ستقدم موضوعها أكثر نصاعة ووضوحًا للحكم الشرعي؛ فلا يحصل هذا التعارض والتعاند بين متطلبات العديد من الأنشطة الثقافية المعاصرة والأحكام الشرعية الموجودة في رسائل الفقهاء العملية، كما حصل بشأن الغناء والموسيقى.

 

كتب ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center