Home مقالات

أهمية الرومانسية في التربية.. العلاقة مع الطبيعة نموذجًا

أهمية الرومانسية في التربية
العلاقة مع الطبيعة نموذجًا

السيد عباس نورالدين

حفلت أدبيات القرن التاسع عشر برومانسية عالية تجلت في حب الطبيعة واللجوء إليها والهروب من المدينة، كردة فعل على كل ما أنتجته الثورة الصناعية من اكتظاظ وتلوث وضجيج وفوضى وأحياء الفقر والقذارة.
لقد صار حجم الانحطاط في معيشة الإنسان وواقعه وبيئته كبيرًا إلى درجة أنّ جيلًا واحدًا كان قادرًا على ملاحظته وملاحظة آثاره المباشرة على حياته وصحته.
نهض الأدباء والفلاسفة للحديث عن هذه الظاهرة أو معالجتها، وعبّروا عن مدى روعة الرجوع إلى الطبيعة؛ فتشكل أدبٌ واسعٌ من الرومانسية المميزة، استطاعت أن تحفر عميقًا في نفس الإنسان الغربي، الذي كان يتفتح على جمال الطبيعة وروحانيتها في ذروة التضاد بين الريف والمدينة.
لقد كان على هذا الفكر ـ وكعادته ـ أن يشاهد بأم العين، وأن يختبر بنفسه هذا الفارق النوعي بين البيئتين والوضعين، حتى ينطق بما نطق، الأمر الذي لم يكن له مثيل في آداب العرب على الإطلاق. وإنّما تسللت تلك الأدبيات إلى بلادنا مع بداية ما سُمّي بعصر النهضة، في مطلع القرن العشرين، حين تفاعلت بعض الشخصيات اللبنانية مع ذلك الأدب بشكل خاص.
هدفي من هذا الكلام هو البحث عن مدى تأثير أدبيات الرومانسية على الفكر البشري، الذي كان قد بدأ بالتشكل على نطاقٍ واسع عبر عملية التعليم الإلزامي المدرسي. فهنا لم تعد تلك الأدبيات مقتصرة على نخب المجتمع، وإنّما صارت سببًا لإلهام الجماهير الواسعة. فكانت في الغرب أكثر عمقًا وأوسع تأثيرًا لأسباب عديدة، منها ما يرجع إلى المعايشة والمعاينة المباشرة للكارثة.
بلادنا لم تشهد أي نوع من الثورات الصناعية والتلوث البيئي كتلك التي حدثت في بريطانيا أو ألمانيا، والتي يمكن لجيلٍ واحد أن يعاين حجم تأثيرها على حياته. كما أنّ مدننا بقيت بعيدة عن الأرياف نسبيًّا ولمدة طويلة؛ أضف إلى ذلك ضعف الطبيعة العربية على وجه الخصوص (ما خلا لبنان).
واليوم، وفي الوقت الذي نحتاج فيه أكثر من أي وقت مضى إلى هذا النوع من الأدب، الذي يخاطب الإحساس والوجدان ويشعر القلوب بروعة الطبيعة وحجم الكارثة البيئية التي تحصل والخسارة الكبرى التي تلحق بالبشرية جراء هذا التدمير الممنهج ونوع التسافل والانحطاط البيئي الذي لم يحصل له مثيل، فلا يبدو أنّ حركة الأدب في بلادنا مواكبة أو متحملة لمسؤولياتها كما ينبغي. ولهذا، يجب أن نفكر في التأسيس المبكر لهذه الروحية والتركيز أكثر على حضور هذا الأدب الملهم في مناهجنا.
إنّ الباعث الأكبر على مواجهة كل أشكال العبث والتدمير الممنهج والعشوائي للطبيعة ـ والذي يُعد أكبر كارثة يمكن أن تلحق بالبشرية ـ هو حب الطبيعة وتقدير جمالها وأهميتها للحياة والروحانية والإنسانية ومستقبلها؛ كما أنّ هذا الحب هو أقدر الأشياء على تشكيل وعي عام سيتحول إلى  ما يشبه الجبهة العريضة المضادة لحركة التكنجة والتصنيع؛ هذه الحركة التي لن تترك للإنسان، إن بقيت، أي شيء جميل يمكنه أن يدرك من خلاله جمال الحياة التي هي صلة وصلنا بالرب الرحيم.
إن كنّا نريد لأبنائنا أن يدركوا بعض الآثار الوخيمة لهذه الحركة التكنولوجية الجارفة، وإن كنّا نتمنى على أبنائنا أن يبصروا الفساد الحقيقي الذي يرتكبه السياسيون والرأسماليون الكبار، فلا شيء يمكن أن يضاهي الوعي تجاه حجم الفساد البيئي.
إنّ فطرة الإنسان تميل إلى الجمال وتنفر من القبح (الرومانسية)؛ وجمال الطبيعة ليس بالأمر البسيط الذي يمكن للإنسان أن يتجاوزه. فبمجرد أن يتفتح قلب الإنسان عليه حتى يصبح مخلوقًا متميزًا يصعب إغراؤه بأوهام الواقع الافتراضي مهما بلغت. إنّه الجمال المتصل بجمال الله والمظهر له؛ وبفضله يمكن للإنسان أن يستشعر قرب الله في الوقت الذي يدرك حجم البشاعة البشرية. فإن لم تحقق المناهج سوى هذه التربية لكان ذلك كافيًا لتشكيل قوة كبيرة من الحصانة والمناعة ضد كل أشكال القبح والقذارة والمجون والتهتك والانحطاط الذي يعد من أهم مميزات الحضارة الغربية وفشل الإنسان العربي.
الطبيعة آية إلهية وكل آيات الله مقدسة؛ فيجب تقديس الطبيعة عبر حمايتها وصيانتها والحفاظ عليها واحترام كائناتها وجمالها والسعي المستمر لتجميلها. ولا يحق للإنسان تسخير الطبيعة كيفما كان ولو كان لأجل معيشته. فقديمًا قال أمير المؤمنين عليه السلام: "وإِنَّمَا يُؤْتَى‏ خَرَابُ الأرْضِ مِن إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ، وسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ".[1]  
صحيح أنّنا نريد أن نربط أبناءنا بتراثهم وتاريخهم وحضارتهم، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب قضايا عصرهم وتحديات زمانهم. وهنا لنا أن نسأل هل يمكن أن تكون حصيلة كل هذه الأدبيات التي يشتغل بها ذهن الطالب الثانوي وعيًا وروحية متناسبة مع ما سيواجهونه في هذه الحياة؟

 

[1]. مكاتيب الائمة عليهم السلام، ج1، ص 486.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center