أصول مكافحة الفساد
ما لم نتّفق على منظومة واضحة لشبكة الفساد، فلن نتمكّن من القضاء عليه

السيّد عباس نورالدين

الإصلاح في الأرض هو أحد أهم مهمّات الأنبياء والأولياء. ولهذا الإصلاح برنامجه الإلهيّ الذي يهدف إلى جعل الأرض وسيلة لعروج النّاس وسلوكهم طرق السّماوات. لقد وقف الإمام عليّ عليه السّلام كثيرًا وهو يدعو النّاس إلى علمه، وهو يقول لهم "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَواللَّهِ إِنِّي بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ".[1]
وأحد أهم معاني طرق السّماء هو السّير إلى الحياة الآخرة. لكن للأسف فقد شاع فهمٌ خاطئ له يتصوّر أصحابه أنّ انتهاء الأرض وخرابها هو مقدّمة للانتقال إلى الآخرة. ولكن بحسب العديد من الآيات القرآنيّة والأحاديث الشّريفة، فإنّ إصلاح الأرض هو المقدّمة وليس خرابها. وأنّ الخراب الذي يحدث بكلّ أهواله سينزل بساحة الكافرين فقط.
قال الله تعالى بشأن أهل الجنة: {وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي صَدَقَنا وعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلين}.[2]
كلّ برنامجٍ إصلاحيّ لا يتوجّه إلى إصلاح الأرض كبيئة أعدّها الله تعالى لتكون مرآة حسنه وجماله فهو برنامجٌ فاشلٌ ولن يوصل إلى أي نتيجة. وللأسف، فإنّ حماية البيئة لم تصبح بعد من متلازمات صفات المؤمنين والمتديّنين في العالم. ولهذا، يجب العمل بجد لكي تصبح هذه القضيّة ركنًا أساسيًّا في رؤيتنا وفهمنا للحياة والدين.
لطالما وصف الله تعالى المفسدين والطواغيت بأنّهم إذا سعوا وتحرّكوا فإنّهم سيسعون للفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل. فهذا جزءٌ من طبيعتهم الطاغوتية حيث لا يجدون سوى هذا التخريب كوسيلة للوصول إلى مبتغياتهم ومآربهم المنحطّة. وحين يرفعون شعارات حماية البيئة، فذلك من أجل خداع النّاس وإخفاء أعمالهم المشؤومة.
لقد نفض الرّئيس الأمريكي يده من معاهدات واتّفاقات تتعلّق بحماية البيئة في الأرض، لأنّه شخصٌ مستكبر لا يقرأ الآخرين ولا يرى لهم وزنًا. وتبعه في ذلك عددٌ كبير من السذّج، الذين اقتنعوا بأنّ معاهدات حماية البيئة ستضرّ بمصالحهم. وحين يأتي رئيسٌ آخر من بعده يسعى لتحسين صورة أمريكا في العالم، فمن المتوقّع أن يعود إلى حالة الخداع السابق.
فالفساد الأكبر هو فساد البيئة بتدمير غاباتها وتلويث أنهارها وهوائها والعبث في أنظمتها الحيويّة، والتّلاعب بمزروعاتها ونباتاتها وكائناتها الحيّة، وصولًا إلى حياة الإنسان التي تمثّل ثمرة النظام البيئيّ وعنوانه الأبرز.
فما نفع كلّ النظام البيئيّ إذا لم يخدم صحّة الإنسان وسلامته وكرامته (حيث أنّ جزءًا مهمًّا من السّلامة يرتبط بتكريم الإنسان بجسده وبروحه). لهذا، فإنّ الحفاظ على حياة هذا الإنسان وبقائه، هو أحد أهم أهداف العمل البيئيّ ومهمّاته.. وهذا خلافًا لما يشيعه بعض المغالطين حول صلاح الأرض بعيدًا عن الإنسان؛ حيث شاعت فكرة سطحيّة بين مجموعة كبيرة من الطّبيعيّين تفيد بأنّ الأرض يمكن أن تصلح إذا انقرض الإنسان فيها.
صحيح أنّ الإنسان هو المسؤول الأوّل عن كلّ هذا الخراب والفساد، لكن لا ينبغي أن ننسى أنّ الإنسان هو الثّمرة الكبرى للإصلاح وأنّ للأرض هدفًا وغاية من وجودها، يتمثّل بما ذكرنا من كونها منصّة عروج للبشريّة جمعاء.
إنّ بقاء البشر وتكاثرهم ضمن ظروف صحّيّة ومعنويّة وبيئيّة ممتازة، هو هدف الإصلاح. وحين نُخرج الإنسان من المعادلة، فسوف نخسر العامل الأكبر في صلاح الأرض ونجاتها.
وهكذا، يكون الحفاظ على الأوطان والمجتمعات المتماسكة عنصرًا محوريًّا في بقاء الإنسان وفي تكاثر البشر، بشرط أن لا تصبح الأوطان كيانات متحاربة ومتعادية؛ وإنّما لتكون محطة انطلاق نحو المزيد من التعارف والتقارب: {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى‏ وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبير}.[3]
إنّ الكيانات العنصريّة هي أكبر تهديد للأوطان والمجتمعات، وهي أكبر عوامل الفساد وأشدّها خطورة على البشريّة جمعاء. فكلّ كيان يغذّي الكراهية والحقد ويستثمر في مجال إبادة الشعوب وتشريدها، هو كيانٌ يجب استئصاله على طريق إصلاح الأرض ونجاتها. لهذا، كان الذين يعملون على حفظ الأوطان وتماسك المجتمعات ووحدة البشر والسلم الأهلي والتعايش الراقي ونبذ العنف والكراهية وحماية المستضعفين هم أكثر الناس فهمًا لمصلحة الأرض. وسوف يسجّل التاريخ غدًا أنّ هؤلاء هم الذين حفظوا الأرض من الخراب؛ قال الله تعالى: {وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمين}‏.[4]
إنّ الوقوف بوجه المعتدين الظالمين الذين قاموا على كيانات العنصرية والكراهية والاستعلاء هو الخطوة الأساسية باتّجاه إقامة الكيانات الوطنيّة الطيبة والمجتمعات المتقاربة والتعاون الدوليّ والسلم العالميّ. وفي ظل أجواء السلام والرغبة بالتعايش سرعان ما يتساقط المفسدون المحلّيّون الذين يعتاشون على تغذية الكراهية الداخلية مثل الحقد الطائفيّ والمذهبيّ. وبسقوط لوردات الحروب الداخلية وأمراء الطوائف المتناحرة، يتمكّن الناس من التفرغ لمحاسبة المفسدين في الإدارات وفي المؤسّسات العامّة. وحين تزول مؤسّسات المحاباة والتلزيمات الحزبيّة والفئويّة والشخصيّة وتحلّ محلّها مؤسّسات وطنيّة شعبيّة، سيتمكّن الناس من حل مشاكل الجريمة والمخدّرات والفساد الاجتماعي والربا والنهب الاقتصاديّ ومخالفة الأنظمة والقوانين والاعتداء على الأملاك العامّة.
فهذه هي الرؤية الدينيّة لمنظومة الفساد؛ وهذه هي طريقة مكافحتها التي تتطلّب صبرًا وجهادًا طويلًا.

 

 

[1]. بحار الأنوار، ج34، ص 259.

[2]. سورة الزمر، الآية 74.

[3]. سورة الحجرات، الآية 13.

[4]. سورة البقرة، الآية 251.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center