Home مقالات

هل سمعتم بمظالم شعبنا؟ كيف يزيدك الوعي بالتّاريخ مقاومةً

هل سمعتم بمظالم شعبنا؟

كيف يزيدك الوعي بالتّاريخ مقاومةً

السيّد عبّاس نورالدين 

يتحلّق أولادي حولي ويتطلّعون بانتباهٍ فائقٍ كلّما شردت منّي أحاديث حول تاريخنا. هل هي الفضوليّة التي تميّز أبناء البشر؟ أو أنّ هناك شعورًا بالحاجة الماسّة إلى معرفة التّاريخ، باعتبار أنّه جزءٌ من هويّتنا، وبذلك فإنّ أولادي ببحثهم ومتابعتهم لهذا التاريخ، يسعون لتكميل هويّتهم ومن هم؟!
هناك أجزاءٌ من هذه الصّورة نشعر بأنّها تنقصنا؛ وهذا ما  يؤكّد على أنّه  في جزءٍ منّا استمرار لأحداث ووقائع جرت في الماضي، ولا يمكن أن نعرف من نحن إلّا بمعرفتها والشّعور بها.
كما تعلمون، إنّ شعبي قد عانى كثيرًا من اعتداءات وحروب الكيان الصهيونيّ ضدّه. ومن البديهيّ أنّ الأعمال الحربيّة التي تشنّها دولة غاشمة مدجّجة بأحدث الأسلحة الأمريكيّة والنّزعة الاستعلائيّة الاستكباريّة، سوف تؤدّي إلى الكثير من المآسي والفجائع. وكلّ مأساة سوف تحكي عن ماهيّة هذا العدوّ وطبيعته، وسوف تحكي أيضًا عن خصائص شعبنا وميزاته. ولا يمكن أن نفهم ردود فعل هذا الشّعب ومسيرته المقاومة بمعزل عن هذا السّياق التّاريخيّ الحافل بالمظلوميّة.
إنّ مواجهتك ومقاومتك، التي تنطلق من شعورك بقبح الظّلم ومواساتك لشعبٍ محرومٍ مضطهدٍ، تختلف عن تلك المقاومة التي تنبعث من شعورك بالمسؤوليّة تجاه أرضك وشعبك، أو تلك التي تنطلق من صحبتك وزمالتك لأشخاصٍ أضحوا مقاومين.
قد تكون المقاومة الأولى أشدّ وأقوى، لأنّ الإنسان بفطرته وغريزته لا يمكن أن يتحمّل الظّلم ويتسامح بشأنه، فتنبعث في نفسه طاقةٌ كبيرةً لمواجهته. لهذا، يحمل المقاومون الذين شهدوا تاريخ مظلوميّة شعبهم قدرات فائقة وطاقات عليا.
بَيد أنّ هذا الوعي ـ مع أهمّيته ـ قد يغيب في زحمة مشاغل الحياة اليوميّة. أضف إلى ذلك، أنّ هذا الوعي والاطّلاع ذو درجات في العمق والسّعة. فكلّما تعمّق إدراكنا للمظالم والفجائع التي مرّت على شعبنا، يزداد وعينا لأهميّة المواجهة وضرورتها، فترتفع عندها طاقة مقاومتنا..
لقد عاش جيلنا عصرًا واحدًا وواجه الأحداث نفسها، إلّا أنّ تلقّينا لما كان يحدث واستيعابنا له، كان يختلف أيضًا بين شخصٍ وآخر (ولا ننسى ما للقرب والمعاينة من تأثيرٍ واضح). فمن عاين مجزرة وشهدها بأمّ عينه وحمل أشلاء ضحاياها بيديه، لن يكون كمن سمع عنها في نشرة الأخبار أو عبر الوسائط.
ولكن من المهمّ أن ندرك أيضًا أنّ للقلم والبيان قدرةً عظيمة في إعادة سرد التّاريخ ممتزجًا بمشاعره وتأثيراته. لهذا، تقع على عاتقنا ـ إن كنّا نبتغي ضخ مشاعر المقاومة وعزائمها في الأجيال اللاحقة ـ مهمّة كبرى، تتمثّل في استقصاء جرائم العدوّ وتتبّعها بسياقاتها وبيئتها وظروفها، وما أنتجته في أوقاتها من مشاعر وأحاسيس. فالاكتفاء بأعداد الضحايا وذكر أماكن الجرائم ليس له تلك الأهمّيّة. وفي حال استطعنا أن نقدّم تلك الأحداث والفجائع، قريبةً إلى وقائعها النفسيّة والاجتماعيّة والشّعوريّة، فالمتوقّع هو ظهور جيل أشدّ قوّةً وعزمًا على المقاومة والنّضال ضدّ المعتدين الطّغاة.
أتذكّر دومًا كيف قصفت دبّابات الإسرائيليّين أختَي زوجتي أثناء صلاتهما على شرفة منزلهما في قريتي. لقد قام الإسرائيليّون باتّخاذ هذا القرار وتنفيذه بكامل الوعي وبرودة الدّم. فهاتان الفتاتان كانتا على مرأى مناظير الدبّابات الرّابضة في موقع السّويداء ولم تكونا تقومان بأيّ عملٍ عسكريّ.
قذيفةٌ واحدة حوّلتهما إلى أشلاء أمام أمّهما، التي كانت في الغرفة المطلّة على الشّرفة. أقول في نفسي كلّما تذكّرت ذلك، لماذا وكيف قام هذا العدوّ بارتكاب هذه الجريمة؟ وماذا كان يريد أن يقول؟ ألم يكن يعلم أنّ الظلم الشّديد يبعث روح المقاومة والنّضال؟!
 بالطّبع، كانت هذه الجريمة واحدة من آلاف الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليّ على مدى عشرات السّنين، ضدّ شعبٍ لم يكن يمتلك الحدّ الأدنى من قدرة الدّفاع عن نفسه.
الكثيرون في بلادنا العربيّة لا يعرفون عن هذه الجرائم سوى القليل، وبسبب الانتصارات التي أعقبت مقاومتنا البطوليّة، قد يصبح المنتصر مكافئًا للمعتدي المهزوم، ويفقد النّاس شعور المواساة للمظلوم. وربما يتمكّن الظّالم بعد مدّة من إظهار نفسه كمظلومٍ يثير الشّفقة أيضًا. وهكذا تخبت مقاومة شعب باختفاء أسبابها!
لقد لعب الإعلام، الذي ركّز على بطولات المقاومين وعلى الأعمال العسكريّة، دورًا غير متعمَّد، في إخفاء هذه الأصول والجذور، أكثر من أي شيءٍ آخر، فساهم بدوره في إضعاف ذاكرتنا وفي التّقليل من منسوب الوعي والعزم الذي نحتاجه للاستمرار في النّضال الذي لم تنعدم أسبابه.
إلى كل من يقدر على سرد حادثةٍ أو ذكر واقعةٍ تذكّر بمظلوميّة شعوبنا، أقول أنّ عملك هذا هو ركنٌ أساسيّ في رسم مستقبلنا. فما دامت المظلوميّة التاريخيّة حاضرة، فالمقاومة عزٌّ وفخر ورسالة؛ وإلّا فإنّها ستتحوّل عمّا قريب إلى مجرّد عملٍ حربيّ آخر.

مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center