بحثًا عن أنصار المهدي(عج)

السيد عباس نورالدين

بعد فاجعة كربلاء الكبرى لم يعد بإمكان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الخروج والعمل السياسي العلنيّ ومواجهة الظلم بصورةٍ مباشرة. وقد أعلن أئمّة هذه المرحلة ـ التي استمرّت حتى الغيبة الصغرى ـ أنّ سبب ذلك هو قلّة الناصر. وها نحن اليوم نشاهد عشرات ومئات آلاف الشباب المستعدّين للقتال والتضحية تحت قيادة أشخاص يرتبطون بأهل البيت (عليهم السلام)، فلماذا لا يخرج الإمام المهدي نفسه؟
لو كان أمر القتال والتضحية مشكوكًا فيه، لأجبنا بأنّ الحوادث الكبرى، التي جرت بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة، قد أثبتت بنحوٍ ناصع حقيقة هؤلاء ومستوى تضحياتهم. وقد حفلت سنوات الدفاع المقدّس والمقاومة، في أكثر من منطقة يتواجد فيها محبّون لأهل البيت، بما لا يُحصى من مشاهد الفداء العظيم والإيثار الكبير. وكلّ واحدٍ منّا يشعر في دخيلة نفسه أنّ هذه الأمّة لا ينقصها من عنصر التضحية ومادّة الجهاد شيء، وهي مستعدّة لتقديم المزيد والمزيد، خصوصًا في الاستحقاقات الكبرى.
لقد أوقد الإمام الخميني (قدّس سرّه) مشعل الشهادة والفداء، وما زال هذا المشعل الوضّاء مشتعلًا إلى يومنا هذا، بل ربما ازداد استعارًا وتوقّدًا على مدى السنين. وربما يُقال أنّ ما كان ناقصًا ومفتقدًا لأي تحرّكٍ ثوريّ حقيقيّ يمكن أن يقوم به أهل البيت (عليهم السلام) في تلك الأزمنة، لم يعد كذلك في زمن الغيبة هذا، فلماذا لا يخرج الإمام المهدي؟
سؤالٌ طرحه ويطرحه المؤمنون أينما وُجدوا، وهم يحارون في جوابه، ممّا يدفعهم إلى المزيد من التعمّق في حقيقة تلك النصرة المفقودة المطلوبة، ويجعلنا نفكّر في طبيعة التضحية والجهاد الذي يريده الإمام المهدي (عجل الله فرجه). فهل يريد هذا الإمام العظيم منّا ما هو أغلى من الدماء؟ وهل هناك أثمن وأكثر جودًا من أن يُقتل المرء في سبيل الله؟ فإذا كان المرء مستعدًّا لتقديم نفسه على مذبح الشهادة في سبيل قضية مقاومة أو دفع عدوّ، فلماذا لا يكون مستعدًّا لهذا العطاء في سبيل قضيةٍ أعظم، هي قضيّة إصلاح العالم تحت راية إمام العصر والزمان ووليّ الله الأعظم؟
ربما يُقال في الإجابة عن هذا التساؤل المشروع أنّ طبيعة ما يطلبه الإمام من الأنصار هي أمور لم يعتد أبناء هذه المجتمعات عليها، وهي تتطلّب نوعًا من العطاء والبذل الذي لا نعرفه ولم نختبره في حياتنا. فقد تجد المجاهد الحالي مستعدًّا لمهاجمة صفوف الأعداء واقتحام حصونهم والثبات تحت سيل القذائف والصواريخ، التي تنهمر عليه من كلّ حدبٍ وصوب، لكنّه غير مستعد لتحمّل بعض الأوامر التي لا تتناسب مع رؤيته الخاصّة في المعركة.
لقد فهم هذا المجاهد طبيعة القتال ومتطلّباته، لكنّه لم يدرك العديد من زوايا وخبايا المواجهة الكبرى، التي تتطلّب مستويات أخرى من الالتزام بالنظام والعمل بذكاء وحنكة وتشخيص الأقدر والأكفأ، وغير ذلك من القيم الأساسية عند مواجهة أي عدوّ، بل في كل مواجهة حقيقيّة مع أعداء الله والإنسانية.
ولهذا، تجد جبهات عديدة متروكة مهملة خالية من الإبداع والاندفاع، يعيث فيها أعداء الله كلّ أنواع الفساد والسلطة والهيمنة ويحقّقون فيها الكثير من الانتصارات والخروقات.
لقد كانت معظم المواجهات، التي سادت في عصور حضور الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، ذات طبيعة محدّدة تتطلّب مهارات السيف والثبات في المعركة، لكنّها الآن أصبحت أكثر تعقيدًا وشمولًا وتفصيلًا وخفاءً؛ وهذا ما لا تدركه الأكثرية الساحقة من المؤمنين المضحّين في عصر الغيبة. بل يمكن القول أنّ مجرّد العمل على شرح هذه المعارك والمواجهات، يتطلّب جهودًا جبّارة وقدرات عالية، فما بالك بتحقيق اختراقات نوعية في هذا الوعي والعقل السائد!
إنّ ما لا ندركه اليوم هو أنّ أعداء الأمم أصبحوا أكثر عمقًا وحنكة، واكتشفوا العديد من الأدوات والوسائل التي يمكنهم من خلالها إخضاع الشعوب والتسلّط عليها بغير الأسلحة الحربية المعروفة، وإن كانت هذه الأسلحة مستعملة على نطاقٍ واسع لأجل الترهيب والتظاهر بالقدرة العظيمة.
لم يخفِ هؤلاء الأعداء، في بعض المناسبات، طبيعة التكتيكات والاستراتيجيات، التي يستخدمونها لأجل السيطرة على العقول والقلوب، كما يعبّرون؛ باعتبار أنّ هذه السيطرة هي أساس النجاح والانتصار في الحرب؛ ومع ذلك، يندر أن تجد من بين المضحين والمجاهدين من يقدر على فهم تلك الأساليب أو شرحها، ناهيك عن مواجهتها والاستعداد للعمل الدؤوب من أجل إحباطها.
إنّ ما ينقصنا اليوم هو هذا الوعي التام تجاه جبهة العدوّ، بعد تحديده وفهمه ومعرفة أهدافه واستراتيجياته وأساليبه؛ فنتعرّف بدقّة إلى ما يؤخّر الظهور المبارك للإمام، بدل التركيز على نوعٍ واحدٍ من النصرة. فالإمام يريد أنصارًا يمتلكون الوعي والبصيرة والذكاء والإبداع والصبر، بالإضافة الى التضحية والإيثار والجهاد. أو لنقل أنّ متطلّبات التمهيد الحقيقي تستلزم وجود مثل هذه الثقافة لكي تتهيّأ الأرضية المناسبة لدعوته المباركة.
فحين تسود هذه الثقافة، تتوفّر أرضية نبات الاستعدادات الكبرى للممهّدين، الذين يمتلكون تلك الكفاءات ويعملون على أساسها، وتتّجه الجهود الكبرى والسياسات العامّة للموالين، بالاتّجاه الصحيح بدل التركيز على ما يرتبط بالجوانب الهامشية والثانوية.
لم نتمكّن لحدّ الآن من تقبّل مبرّرات هؤلاء المتمكّنين وأصحاب المال والقرار، الذين ينفقون الكثير من الجهود والإمكانات في معارك ثانوية، رغم علمهم الإجماليّ بطبيعة العدوّ وأساليبه. فتراهم ينفقون مئات ملايين الدولارات للعمل على صناعة صاروخ، لكنّهم يتردّدون كثيرًا حين يُطلب منهم بذل بضعة ملايين للعمل على تطوير التعليم والمدرسة والمناهج.  فهل أصبح هؤلاء ضحيّة مؤامرة نفسيّة انجرّوا فيها إلى ما يريده العدوّ، وتركوا أعظم الإمكانات التي وفّرها لهم أهل البيت على مدى العصور؟!  

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center