المعاناة مع الأصدقاء
السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب أي مجتمع نريد
يُقال إنّ أهم معيار للوعي السياسي هو تمييز الأصدقاء من الأعداء. إذا كان الصراع بين القوى في هذا العالم يمثل أحد المحركات الكبرى للسياسات المحلية والدولية، فإنّ من يعجز عن تشخيص عدوه سيتعرض لضربات قاصمة. لكن تحديد الأصدقاء لا يقل أهمية عن هذا الأمر أيضًا. فكيف يمكنك أن تواجه أعداءك دون أصدقاء هم أعوانك وحلفاؤك وأتباعك وأنصارك وقوتك التي يمنحك الله إياها للانتصار.
{هُوَ الَّذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنين}.[1]
يخسر الكثيرون لأنهم يعجزون عن تكوين صداقات، وتزداد خسارتهم حين لا يقدرون على حفظ هذه العلاقة الطيبة. يقول الامام علي (ع): "أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُم".[2]
لا تكون الصداقات واضحة جلية دومًا. الإبهام الذي يعتري العلاقات البشرية، نتيجة دخول عوامل كثيرة عليها، قد يشوش الحقيقة. الظروف تلعب دورًا كبيرًا أيضًا.
إنّ تكوين الصداقات يختلف بين الحرب والسلم. حين تكون مُضطهدًا مُحاصرًا من قبل قوى كبرى تُريد القضاء عليك، فإنّ تمييز الصديق من العدو يكون سهلًا، لأنّ الكثير من الناس لن يجرؤوا على عرض صداقتهم أو مدّ يد العون إليك، هناك من سيتخذ جانب الحياد خوفًا أو طمعًا. "الصديق وقت الضيق" تبرز هنا. ولكن ماذا عن أولئك الذين سيعرضون صداقتهم بعد انتصارك وظفرك وبسط سلطتك، هل كل هؤلاء منافقون غير جديرين بالصداقة؟
هناك من لا يعرف الحق إلا بعد جلاء غُبار المعارك. كما أنّ مشاريعك الكثيرة المتشعبة والجديدة الناشئة من بسط نفوذك وحصولك على إمكانات كبيرة تستدعي أنصارًا من نوعٍ جديد. لقد اعتدت على نوعٍ معين من الأصدقاء وقت الضيق، وها أنت غير قادر على تحديد أنواع آخرين؛ أصدقاء وقت الرخاء. تحتاج إلى معايير أخرى لتميزهم عن المستغلين والطامعين. إن تشددت وقلت لا صديق لي إلا من كان وقت الضيق معي، فسوف تخسر الكثير من الأعوان لمشاريعك. وإن تساهلت في الاختيار، فسوف يتسلل المنافقون إلى داخل معسكرك ولن يطول الأمر حتى يتم تغيير هوية مشروعك وحركتك ونضالك. هذا الابتلاء قد عمّ أكثر حركات التحرُّر والثورات بعد انتصارها. فتّش عن أسباب الإخفاقات في العجز عن تمييز الأصدقاء من الأعداء وقت الرخاء. إنّ ضيق الأفق هنا ينشأ من العجز عن تحديد معايير الصداقة والعداوة الحقيقية. وكل ذلك كامن في رؤيتك الكونية التي تفسر من خلالها حقيقة العقائد.
حين كنت مناضلًا تواجه الحراب، ثبت لديك أنّه لا يبقى في هذا الميدان المرير سوى الموحد الخالص الذي ينتمي إلى لونٍ واحدٍ من العقائد التي تؤمن بها. لقد أصبحتما صديقين مقرّبين على مدى سنيّ الجهاد والكفاح، بفضل ما يجمعكما من عقائد مشتركة ورؤية كونية واحدة. طبيعة النضال استدعت تفسيرًا واحدًا محددًا للحياة والمصير. حدة المواجهة وشدتها فرضت مثل هذا التشدُّد في تشخيص الصديق الواقعي؛ لا يحتمل الوضع أيَّ تساهلٍ بشأن عقيدة الصديق.
لكن بعد أن ظفرت وحكمت وبسطت يدك، سوف تحتاج إلى معرفة أعمق بشأن الطيبين وتوسعة الأفق بشأن الصالحين. هناك كنت ناظرًا إلى الخسارة، وهنا بدأت تنظر إلى الربح. كلما ازداد أصدقاؤك ازدادت أرباحك. ولكيلا تُبتلى بالعجز والتشخيص الخاطئ، فإنّك هذه المرة تحتاج إلى إدراك الأبعاد الحقانية والجوانب الصحيحة في عقائد الآخرين، وسوف تعمل على جذب هؤلاء عبر التواصل معهم من هذا الباب؛ فتكون المشتركات العقائدية جسر الارتباط والجذب، عسى أن يجد الجميع فرصةً للتعرف على ما خفي عليهم من عقائدك حين كنت عاجزًا عن تعريفهم عليها بينما كنت تفر من ملجأٍ إلى ملجأ.
[1]. سورة الأنفال، الآية 62.
[2]. نهج البلاغة، ص 470.
على طريق بناء المجتمع التقدمي
المجتمع التقدّمي هو المجتمع الذي يتحرّك أبناؤه نحو قمم المجد والفضيلة والكمال. المجتمع التقدمي هو التعبير الأمثل عن استجابة الناس لدعوة الأنبياء الذين أرادوا أن يخرجوا البشرية من مستنقع الرذيلة والحيوانية والعبثية لإيصالها إلى أعلى مراتب الإنسانية والنور..فما هي سبل إقامة هذا المجتمع؟وما هي العقبات التي تقف في طريق تحقّقه؟ على طريق بناء المجتمع التقدّمي
عوامل تقوية الوعي السياسي.. امتلاك الرؤية الكونية الصحيحة
ما هو دور معرفة الرؤية الكونية الصحيحة في الوعي السياسي؟ كيف نتعرّف على السنن والقوانين الاجتماعية ونطبّقها على واقعنا الحالي؟
تحديد العدو شرط انتصار الثورات
أي حراك اجتماعي لا يلتفت إلى بعض المبادئ الأساسية التي ترتبط بالنجاح والانتصار ولم يعتمد على هذه المبادئ فإنّه لن ينتصر. الكثير من الحركات الشعبية في العالم التي لم تلتفت إلى هذه المبادئ لم تنتصر بل أدت إلى الانقلاب على أصحابها.من ضمن المسائل التي ينبغي لمن يتحرك على الأرض أن يعرفها هي أنّ لبنان غير مستثنى من الصراع الموجود في العالم، هناك عوامل ، نفوذ وأشخاص وأحزاب وتيارات ممكن أن تكون ملتقية مع قوة ما وتتفاعل معها، فلا أحد ينكر هذا الأمر! ولكن هل أنّ كل من يعمل على لبنان ويحاول تثبيت نفوذه فيه يريد مصلحته؟!لذلك نقول إنّ واحدًا من أهم شروط الحركات الاجتماعية إذا ما أرادت أن تحدث تغييرًا في النظام ينبغي أن تكوّن من حولها إجماعًا شعبيًّا. وهذا الحراك حتى الآن ليس حراكًا شعبيًا وإن حاول الإعلام يجعله يبدو كذلك!لماذا نحن ننكر أنّه شعبي؟لا من أجل تثبيط العزائم وإنما من أجل استشراف إلى أين نحن ذاهبون في هذا الحراك.طالما أنّ الحراك لم يصبح شعبيًّا لن يحقق أي من المطالب الأساسية كتغيير النظام أو القضاء على الفساد وإن أسقط حكومة هنا أو وزير هناك، لأنه لم يؤمّن القوة اللازمة ليدفع بأجندته نحو الأمام.أهم ما يكتل الناس حول بعضهم بعضا هو الإجماع على الصديق والعدو، فما لم نتفق من هو عدونا الحقيقي وصديقنا الحقيقي فنحن سوف نختلف فيما بيننا لا في الاستحقاقات الكبيرة فحسب، بل في الاستحقاقات الصغيرة أيضًا.لأن هذا الصديق أو العدو أي هذه القوة التي سوف تأتي وتعمل في لبنان سيكون هناك من يساندها ويريدها وهناك من سيراها عدوًا وأنها آتية لتقضي على لبنان، وهكذا من نزلوا إلى الشارع للقضاء على الفساد سيعودون ويختلفون فيما بينهم.نحن نريد أن نتحرك ونغير، حتى نغير نحتاج لأن نتحد، وحتى نتحد نحتاج للاتفاق على من هو العدو الأول للبنان، وكذلك من هم الأصدقاء، لأن الإنسان العاقل لا يلغي الأصدقاء لا يقول "كلن يعني كلن" فهذه حماقة! ليس الكل أعداء. من يشخص أن بعض الناس ممكن أن لا يتفقوا معه، فإنّه لا يعاديهم ويخسر إمكاناتهم، فبعض الناس إذا استملتهم بطريقة ما ممكن أن تستفيد من قوتهم للقضاء على العدو الحقيقي، وإن لم يكن هناك انسجام فيما بينك وبينه.إذًا أي قوة شعبية لا تحدد من هو عدوها الأساسي لن تنجح في تأمين استقلال لبلدها تبني في ظله نظامها السياسي والاقتصادي.
عوامل تقوية الوعي السياسي... متابعة مواقف الفاعلين في صناعة الواقع السياسيّ
يمكن تقسيم الناشطين في المجال السياسي إلى فئتين أساسيتين: 1- الفئة الأولى: الفاعلة 2- والفئة الثانية: المنفعلة. أما الفاعل فهو الذي يمتلك هدفًا ويسعى لتحقيقه.وأمّا المنفعل فهو ذاك الذي ينفعل تجاه فاعلية الأول، فهو لا يملك هدفًا، وإن كان يمتلك رغبات أو طموحات أو أماني ووضعها في قالب الأهداف، فإنّه لا يسعى لتحقيقها بل يكون منفعلًا وشهوانيًا وغضوبًا، بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معنى. بالطبع، هناك فئة ثالثة لا تدخل ضمن النشاط السياسي، وهي الفئة التي ارتضت لنفسها أن تكون منقادة ومنساقة وغافلة وغير مكترثة.الفئة التي تهمنا هي الفئة الفاعلة التي تنطلق من أهداف كبيرة واستراتيجية، ومن رؤى وأطروحات تعمل على تطبيقها، لأنّها فاعلة لا مجرّد منظّرة، أي إنّها تمتلك أدوات وطاقات وإمكانات تستعملها في مجال الوصول إلى تلك الأهداف. هذه الفئة يمكن أن تكون بعملها وأدائها صانعةً للواقع السياسي؛ وحين تتحرّك نحو تلك الأهداف، فسوف تمتلك الوعي السياسي وتكتشف القوانين والسنن الحاكمة على حياة البشر والمجتمعات والتاريخ. لذلك أعتقد أنّ مواكبة ومتابعة هذه الفئة في مواقفها وتصريحاتها وفي دروسها وشروحاتها هذه، يعطينا وعيًا سياسيًا مميزًا.
الكاتب
السيد عباس نورالدين
كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...
مجالات وأبواب
نحن في خدمتك
دورة تنمية الفكر والمهارات السياسية
تتضمن الدورة: 1- لقاءات أسبوعية مع نقاشات وتطبيقات تحليلية 2- مادة مرئية (أفلام وثائقية...) 3- مطالعات تساهم في...










