
أي شعب نحن؟ هل وُلدنا لنموت؟
حول أسرار البقاء والانتصار الحقيقي
السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب بحثًا عن حضارة جديدة
إذا كنّا نقصد بالشعب تلك الجماعة البشرية التي تتميز عمّن حولها بثقافتها، وإذا كنّا نريد أن نحلل ثقافة الحياة والموت عند أي شعب، يمكننا أن نضع اليد على ثلاثة أنواع من الشعوب في العالم.
- شعب يولد ليموت
- وشعب يموت ليحيى
- وشعب يولد ليحيى
النوع الأول من الشعوب هو الذي يتشكل بطريقة تكون نتيجتها أن يتجه نحو موته وزواله، كما يتجه جسد الإنسان نحو حتفه. فمنذ البدايات نرى هذا الشعب وهو لا يعرف سوى طريق واحد يسير عليه ويأخذه إلى الزوال والاضمحلال. وبذلك تكون فلسفة وجود مثل هذا الشعب أن يكون عبرة لغيره من الشعوب في الخيارات المصيرية وانطباق السنن.
مثل هذا الشعب لم يعرف جيدًا ما الذي تعنيه الحياة على هذه الأرض؛ لذلك هو في حالة دائمة من الاستهلاك لا الإنتاج الذي يقوده إلى الهلاك. لا يعرف أبناؤه كيف يعيشون أو كيف يمكن أن يكونوا قدوة لبقية الشعوب على صعيد الحياة والحضارة. فالحياة الإنسانية ليست مجرد أكل وشرب، والبشر لم يوجدوا في هذا العالم ليأكلوا ويتمتعوا كما تتمتع الأنعام. وفلسفة وجود الشعوب تكمن في سيرهم وتسابقهم على مضمار الحياة الإنسانية، حيث يكون البقاء والدوام للشعب الذي يقدم الأنموذج الأفضل للعيش ومن يقتدي به.
الشعب الذي يستحق الحياة الإنسانية اللائقة هو الشعب الذي يسعى لبلوغ أعلى مراتب الحياة المعنوية، ويدرك كيف يكون الاستمتاع الأقصى بكل ما تقدّمه هذه الأرض على مستوى الروح والمعنى. هو شعب عرف كيف يتفاعل مع كل نتاجات الحياة للارتقاء الروحي. فيظهر تفاعله في أدبياته وفنونه وآثاره التي تحكي عن رغبة عميقة بالحياة، ويكون ذلك أفضل وأبلغ رسالة للشعوب الأخرى.
يكون موت الشعب في عالم التفاعل والصراعات الاجتماعية عبر فنائه وذوبانه في غيره من الشعوب، سواء بعد محنة حرب أو غزو واحتلال أو غيرها من الكوارث. ونلاحظ بوادر هذا التحلُّل والذوبان حين لا يتمكن هذا الشعب من التعامل مع مثل هذه المحن بالطريقة التي يحفظ فيها هويته وثقافته المميزة.
حين يعجز هذا الشعب عن إثبات استحقاقه للبقاء من خلال تفوقه الحضاري، وخصوصًا في مجال المعنويات والعلم والمعرفة وما ينفع الناس، فإنّ أبناءه لن يجدوا قيمة أو جدوى للصمود والتماسك والتلاحم، وحينها تتسارع حركة الاضمحلال. وعلامة ذلك انطلاق موجات الهجرة، وفراغ القرى من سكانها، حتى لو لم يكونوا مجبرين على ذلك.
يستشعر هذا النوع من الشعوب موته قبل حصوله، ربما بمدة طويلة. يفقد أهله الشعور بالانتماء لثقافة خاصة، ويضعف التفاخر بالمميزات. وهنا لا ينفع الشعور بأنّنا مظلومون أو مضطهدون، بل إنّ غلبة هذا الشعور سيكون من عوامل الاتجاه نحو الموت.
الشعوب تبقى حين تعتز بهويتها وأمجادها ومفاخرها التي تمثل الحياة لا الموت. صحيح أنّ الأبطال الذين رحلوا هم جزءٌ أساسي من هذه المفاخر، لكنّك تدرك أنّ هذا الشعب يموت حين لا تكون مفاخره سوى الشهداء والشخصيات الميتة مهما كانت عظيمة.
النوع الثاني من الشعوب هو الذي لا يمكنه أن يحيى إلا بعد الموت؛ وكأنّ هذا الشعب احتاج إلى الانبعاث من جديد من خلال تجربة شديدة. وفي ظل هذه المحنة القاسية سوف يعيد النظر إلى الحياة بفضل إدراك الموت. قد يكون شهداء هذا الشعب عاملًا مهمًّا في إحيائه مجددًا، وذلك بعد أن يكتشف حياتهم، ويدرك أنّهم كانوا يعيشون الحياة إلى أقصى حد؛ فهؤلاء الشهداء لم يكونوا كالانتحاريين الذين يتنافسون على الموت، فيمن يُقتل أولًا أو يرحل عن هذه الدنيا.
الشهداء القدوة ليسوا ممّن يعلّم الآخرين الموت بل كيف يحيون؛ فهم بالدرجة الأولى قد اختاروا القتل طريقًا للحياة، الحياة الأبدية لأنفسهم والحياة الدائمة لشعبهم.
يمكن أن نتوقع بقاء هذا الشعب بعد محنة الحرب والصدام الحضاري من خلال ظهور قوة الحياة فيه واندفاعه للتغلّب على نكبته والفجيعة عبر إصراره على أن يتقدم في الحياة أكثر بعد أن اكتشف معانيها الجديدة. إنّها تجربة تشبه تجربة العائدين من الموت الذين قرروا أن يعيشوا الحياة مرة أخرى إلى أقصى حد ممكن.
حين تنزل الكوارث بأي شعب ويفقد خيرة قادته وشبابه ولا يبقى بيتٌ فيه إلا وقد دخلته المصيبة، فمن الطبيعي أن يفقد الناس للوهلة الأولى الشعور بقيمة الحياة، فقد انسلخ جزءٌ عزيز من نفوسهم وارتحل. لكن قد تكون هذه التجربة الشديدة عاملًا للانتباه واكتشاف معانٍ لم تكن معروفة من قبل. هكذا ينبعث مثل هذا الشعب من تحت الركام ليتجه هذه المرة نحو الحياة بصورة أفضل وأعلى، فيقدّم للشعوب الأخرى أنموذجًا فريدًا يستحق معه أن يكون مثلًا أعلى لفلسفة الوجود على هذه الأرض.
أما النوع الثالث من الشعوب، فهو الذي يدرك معنى الحياة دون أن يحتاج إلى تجربة الموت، لأنّه شعب لا يتعلم بالتجربة فقط. ففيه يحكم العقل وتسيطر العقلانية حيث يتعلّم من تجارب الآخرين أو يتصل بمنابع الوحي السماوي، ويشق طريقه نحو العزة والسمو والرفعة بوعي تام. فهو شعب عرف موقعه الحضاري وأدرك أنّ قسمًا مهمًّا من فلسفة وجوده إنّما هو لأجل غيره من الشعوب، والواجب عليه أن يقدّم المثل الأعلى للحياة الحقيقية.
الكاتب
السيد عباس نورالدين
كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...