قراءة في مسار الصراع الإيراني الأمريكي
لماذا كان التفاوض في غير مصلحة إيران؟
السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب بحثًا عن حضارة جديدة
الأمريكي مدفوعًا بمعلومات ووعود إسرائيلية مضللة كان يمني نفسه بإسقاط النظام الإيراني والسيطرة الكاملة على إيران الاستراتيجية في حملة عسكرية خاطفة.. حلم لو تحقق لكان من شأنه أن يقلب وجه المنطقة والعالم، ويُرجح الكفة الأمريكية على مستوى صراع النفوذ مع الصين وروسيا لأمدٍ بعيد. إيران ليست مجرد نفط وغاز، بل هي منطقة ذات موقعية جيواستراتيجية فائقة الأهمية. وبسقوط النظام المقاوم للهيمنة الأمريكية على المنطقة، يصبح تحقق مشروع إسرائيل الكبرى قاب قوسين أو أدنى.
المعطيات التي حصل عليها الأمريكي والتي تُفيد بأنّ الشعب الإيراني قد ضاق ذرعًا بنظامه الفاشل، حوّلت هذه الأمنية إلى خطة عسكرية توقّع معدّوها أن تحسم الأمور في بضعة أيام. أما الضربة القاصمة في هذه الخطة، فكانت عبارة عن تصفية المرشد الأعلى الذي كان يمثل الركيزة الأولى للنظام. فبقتله قد تتساقط كل المؤسسات الثورية في لمح البصر، ولا يبقى لها بعد ذلك أي أثر.
المعلومات الاستخبارية والتفوُّق الجوّي احتاج فقط لخداعٍ بسيط لكيلا يتم إخفاء المرشد في لحظة حاسمة. كان لا بدّ من إيهام الجانب الإيراني بأنّ المفاوضات هذه المرّة قد تُفضي إلى نتيجة مقبولة للطرفين، وأنّ أمريكا أقلعت عن فكرة إسقاط النظام.
وبمعزل عن مدى تصديق الإيراني لهذه الخدعة، وما هي الحقيقة التي تختفي وراء عدم اعتناء المرشد الأعلى بضرورة أخذ الإجراءات الأمنية العالية بعين الاعتبار، فقد جرت الأمور في البداية كما خطّط له الأمريكي بمنتهى السلاسة. أمّا الصدمة الكبرى فكانت أنّ هذا النظام لم يسقط كما كان متوقّعًا.
يكاد الجميع يُجمعون على أنّ هذه الحادثة قد بعثت في الشعب الإيراني مشاعر السخط والرفض لأي مشروع أمريكي، وهي تذكّرنا بتلك المشاعر الثورية قبل خمسين عامًا. فبالإضافة الى جزءٍ مهم من هذا الشعب الذي يحترم مرجعه الديني كثيرًا، فإنّ طريقة الاغتيال جعلت غير المؤيّدين للنظام يشعرون باستياءٍ عميق وقلقٍ بالغ على مستقبل إيران نفسها. الصلافة الأمريكية التي دعت الأكراد لاجتياح طهران، تركت هؤلاء المستائين أمام حقيقة كبرى وهي أنّهم سيفقدون حرّيتهم مرّة أخرى.
الصلافة والوقاحة الأمريكية التي تكشّفت أكثر من أي وقتٍ بفعل الشخصية الفريدة للرئيس الأمريكي، جعلت من غير الممكن أن يحصل أي نوع من التلاقي في آخر الطريق. بفعله الأهوج هذا، سدّ ترامب على المعارضين للنظام أي فرصة. لم تكن المرّة الأولى التي يرتكب فيها الأمريكي مثل هذه الحماقة. ففي كل مرّة وحين كان النظام الإيراني يصل إلى أشد حالات الضعف وأدنى مستويات التأييد الشعبي، كان الأمريكي يتسرّع في تحريك الشارع مستخدمًا أساليب تُعيد إلى الأذهان حادثة الانقلاب على مصدّق، والتي خلّفت شعورًا عميقًا بالمهانة لدى الإيرانيين.
الغباء الأمريكي الممتزج بالتهوُّر الإسرائيلي أكّد أنّ هذه القوى لا تعرف ثقافة هذا الشعب، رغم مرور أكثر من خمسة عقود على المواجهات المباشرة. كيف يمكن لدوائر صنع القرار في هذين الكيانين ألّا تعرف طبيعة العلاقة التي تربط الشعب الإيراني بمرجعه الديني.
ففي الثقافة الشيعية يُعتبر المرجع الديني أعلى سلطة روحية بعد الإمام المهدي الغائب. ولهذا، فإنّه يُمثّل رمزًا مقدّسًا رفيعًا. ولأنّ هذه الشعوب ليس لديها ما هو أهم من القداسة المعنوية، فإنّ التعرُّض لمراجعها الدينيين يُعتبر انتهاكًا صارخًا لهويتها وماهيتها. لو سألت أي باحث عاقل في المجتمعات الغربية لأعطاك هذه الإجابة نفسها.
قبل حوالي مئة عام اجتنب البريطانيون أثناء احتلالهم للمناطق الشيعية، التعرُّض المباشر لمراجعهم واكتفوا بالنفي والإبعاد. كان البريطانيون يعلمون أنّ من شأن ذلك أن يحرّك هذه الشعوب النائمة وينقل المواجهة مع الاستعمار لمستويات أعلى.
حسابات الأمريكي المستعمر اختفت وراء حسابات الإسرائيلي الحالم، الذي لا يعرف سوى البطش والقتل كطريقٍ لتحقيق أهدافه. بالنسبة للإسرائيلي يجب إخلاء منطقة الشرق الأوسط من سكّانها لأنّه السبيل الوحيد لتحقيق إسرائيل الكبرى. لا يمكن لهذا المشروع أن يتحقّق مع وجود هذا الفارق الكبير في الديموغرافيا. ولهذا، ينتهز الإسرائيلي كل فرصة لقتل أكبر عددٍ ممكن من سكان هذه المنطقة. في المقابل، عقلية المستعمر تقضي السيطرة على هذه الشعوب بدل إبادتها.
حين دخل الإيراني في المفاوضات، هل كان يسعى لكسب الوقت من أجل ترميم قوته الصاروخية واستعادة أنفاسه بعد القضاء على معظم قادته العسكريين؟ أم أنّه كان يمنّي النفس بالحصول على مكاسب حقيقية كما ظهر مرارًا من تصريحات بعض كبار المفاوضين؟ وهل كانت هذه الحركة الدبلوماسية سببًا في إضعاف موقعية الركيزة الأولى للنظام؟
إذا كان الأمريكي قد أراد من وراء الدعوة إلى المفاوضات أن يخفّف من هول الجريمة وحدّتها بحق روح الشعب الإيراني، فإنّ الاستجابة لدعوته هذه كانت لتُعدّ عملًا غبيًّا بامتياز. "نحن قتلنا رمزكم الأعلى وسحقنا كرامتكم ونستطيع أن نفعل ذلك متى ما أردنا"، هكذا كانت الرسالة الأمريكية المباشرة.. وبالدخول في هذه المفاوضات يكون الإيراني قد تخلّى عن أهم عنصر في قوّة نظامه. لقد قامت الثورة التي أسّست هذا النظام، على الثأر لكرامة مرجعٍ ديني هو الإمام الخميني؛ وقد انتصرت بفعل قوّة هذه العلاقة ومتانتها. لا يحتاج هذا الجيل المفاوض لأي دروس في التاريخ والاجتماع لكي يفهم هذه القصة.
لأجل ذلك، أرى أنّ أداء الإيراني اليوم هو حصيلة ما كان يجري على امتداد مرحلة ما بعد الثورة داخل المجتمع الإيراني، والذي يمكن اختصاره بجدال العقلانية والمثالية الذي لم ينضج ويكتمل كما ينبغي. العقلانية هنا تشير إلى ذهنية الحسابات المباشرة للربح والخسارة. والمثالية هنا هي ذلك التمسُّك بالقيم واعتبار الحياة والصراع مع الآخر على أنّه تفاعل وصراع بين القيم السامية والقيم المنحطة.
عند التأمُّل العميق لا يُفترض أن يحصل نزاع بين العقلانية والمثالية، لأنّ المثالية تمنحنا زاوية نظر أوسع لكل ما يجري وسيجري في العالم، وهي التي تحدّد الربح الحقيقي والخسارة الواقعية. والعقلانية حين تكون عميقة راسخة تزوّدنا بقدرة عالية على استشراف آفاق المستقبل البعيد. وإنّما يحصل التعارض حين يصر كل طرف على رؤية الحياة والصراع والإدارة من زاوية واحدة ولا يتعمّق في كلٍّ منهما كما ينبغي.. فالاتجاه العقلاني السطحي يغرق في الواقعية إلى الحد الذي ينقطع معه عن التاريخ والمستقبل. والمثالي المتسرّع يظهر في خطابه وكأنّه بعيد عن فهم ما يجري في العالم.
أرى هذا النزاع نتيجة حتمية للسطحية عند أي فئة تتولى شؤون المجتمع.
في تحليلٍ سريع لخطاب الفريق المفاوض يظهر بوضوح ضعف الإشارة إلى القيمة الأولى للنظام. ربما تصوّر هؤلاء أنّ ذلك قد يعقّد مسار المفاوضات التي اعتبرها انتصارًا بحد ذاتها. اندفع المفاوضون نحو جني مكتسبات، كان أي عاقل يعلم مسبقًا أنّ الأمريكي أبعد ما يكون عن منحها.. لو كان الأمريكي جادًّا في إيجاد حل للأزمة والخروج من المأزق الذي وقع فيه، لكان يُفترض به أن يمنح الإيراني تنازلات عبر تحرير بعض الأصول بالحد الأدنى. ولو كان الإيراني غير مندفع نحو المفاوضات بذهنية التفكير بالأماني، لما قبِل الانخراط في مثل هذه المفاوضات، التي ستمنح الأكثر حركية الوقت الكافي لإعادة بناء قدراته في المنطقة من أجل التفوُّق في الجولة الثانية للحرب. نعم، كان الإيراني ليستفيد من وقف إطلاق النار فيما لو كانت مؤسساته المختلفة أكثر حركية وفعالية من الأمريكي. لكن مع وجود هذا الفارق النوعي في الإدارة، كان الأمريكي يُعيد بناء قدراته وتجميع بنوك أهدافه بصورة أسرع وأقوى.
الأقوى إدارة يستفيد من السلام أكثر من غيره.
إذا صحّت المعلومات التي تُفيد بأنّ الأمريكي قد هدّد بشكل مباشر جميع أعضاء الفريق المفاوض بالقتل مع عوائلهم وأقاربهم، وكان ذلك عاملًا لتقوية اتجاه التفاوض، فنحن أمام عنصرٍ إضافيّ على تلك العقلانية السطحية، وهو عنصر الخوف الذي لا يُستهان به مع وجود كل هذا الإطباق الجوي.
الاتجاه المثالي والقيمي لا يمكن أن يثبت في مثل هذا الصراع ما لم يكن أصيلًا في منطلقاته. لا تقدر القيم على مواجهة العقلانية في لحظات الخوف والرعب ما لم تتسلّح بأصول متينة. تُثبت تجارب الشعوب والأفراد أنّ المرء إذا لم يكن متسلّحًا بمنظومة غيبية عالية كالدّين الإلهي، فلن يتمكن من حماية قيمه والتمسُّك بها في المواقف الصعبة. وما هي القيمة الكبرى التي يمكن أن تمنح مثل الشعب الإيراني قدرة الالتزام والتمسُّك بهويته والدفاع عن كرامته إلى أبعد الحدود حين تحصل مثل هذه المواجهة غير المتكافئة؟ إنّها قيمة واحدة فريدة، وهي قيمة التوحيد الذي يعني الاعتقاد بأنّ النصر لا يكون إلا من عند الله.
تلك العقلانية كانت ترى أنّ المواجهة مع أمريكا وإسرائيل غير متكافئة وأنّ الخسارة الكبرى ستلحق بالشعب الإيراني الذي سيعاني من فظائع دمار غير مسبوق، في حين أنّ الأمريكي لن يخسر سوى القليل.
العقلانية هنا كانت ترى أنّ هذه المواجهة ستُرجع إيران إلى عصر الشاهنشاهية وما قبلها، في حين أنّ المسيرة التقدُّمية للأمريكي والإسرائيلي لن تتأثر بتاتًا حتى لو تراجعا عن ضرب إيران.
المثالية الدينية ترى أنّ الانتصار للكرامة من شأنه أن يستجلب النصر الإلهي. ولكي يجيء هذا النصر يجب أن نثق تمامًا بتحقُّقه. وهذا يعني أن نذهب إلى أبعد مدى ممكن في المواجهة غير عابئين بما يمكن أن يحل بنا.
وإنّ أكثر ما يخشاه الأمريكي وأمثاله هو أن يتمكّن أي شعب في العالم من تعبئة جميع قدراته في المواجهة. ففي مثل هذه الحالة لن تنفع كل أشكال القتل والتدمير؛ لأنّ القرار النهائي سيكون لأصحاب الأرض. وقد كانت إيران منذ انتصار ثورتها تعيش حالة من التحدي الكبير على هذا المستوى. وكان على قادتها أن يرسّخوا هذا المبدأ في نظام عيشها ومنهج حياتها وخصوصًا أنّهم كانوا على دراية تامة بأنّ المواجهة التي حصلت مؤخرًا كانت مسألة وقت فقط.
لقد أظهر الشعب الإيراني شيئًا بسيطًا من هذه القدرة، فأدخل مشاعر الإحباط إلى من كانوا يرون إسقاط النظام وشيكًا. لكن أداء الشعب ومواقفه لم تنعكس في المفاوضات كما ينبغي. فظهرت إيران مرّة أخرى أضعف مما هي عليه ليكون ذلك باعثًا لجرأة أعدائها واجترائهم عليها كما حصل في الأيام الأخيرة.
فإذا كنّا نريد أن نعرف نقاط قوة إيران وضعفها يجب أن نبحث عن ذلك في هذا الانقسام الفكري القديم، والذي كان يزداد حدة ويتفاقم عند كل مواجهة واستحقاق مصيري.
ضعف أي مجتمع يكمن في انقسامه، والانقسام الذي يقوم على النزاع بين الدنيا والآخرة أو ما يمكن التعبير عنه في عالم السياسة بين الواقعية العقلانية والمثالية القيمية، هو أحد أكثر أشكال الانقسام شدة وحدّة. هذا النزاع سواء حصل داخل الفرد أو الجماعة فإنّه يترك صاحبه حائرًا مترددًا لا يقدر على اتخاذ القرارات الأساسية في اللحظات المصيرية.
أي مجتمع نريد؟
ما هي أهمية البحث عن المدينة الفاضلة؟ وكيف نرتقي بوعينا ومسؤوليتنا الاجتماعية؟ ما هي القضايا التي لا بد من دراستها وفهمها لرسم معالم الطريق الموصل إلى المجتمع الأمثل. وما هي العوائق الكبرى على هذا الطريق.
على طريق بناء المجتمع التقدمي
المجتمع التقدّمي هو المجتمع الذي يتحرّك أبناؤه نحو قمم المجد والفضيلة والكمال. المجتمع التقدمي هو التعبير الأمثل عن استجابة الناس لدعوة الأنبياء الذين أرادوا أن يخرجوا البشرية من مستنقع الرذيلة والحيوانية والعبثية لإيصالها إلى أعلى مراتب الإنسانية والنور..فما هي سبل إقامة هذا المجتمع؟وما هي العقبات التي تقف في طريق تحقّقه؟ على طريق بناء المجتمع التقدّمي
بحثا عن حضارة جديدة
ماذا يعني أن يؤسس المسلمون حضارة جديدة؟ وما هي أسباب إخفاق حضارتهم الأولى؟ هل كانت قواعد البناء واهنة؟ أم أن المسلمين لم يتمكنوا من إشادة حضارتهم عليها؟ هل نشهد في عصرنا الحالي إمكانية بناء حضارة جديدة وسط كل هذه التحديات التي تمثلها القوى العظمى في العالم؟
الكاتب
السيد عباس نورالدين
كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...











