Home مقالات

عالم بلا فتنة، الإمام المهدي وتغيير العالم

عالم بلا فتنة

الإمام المهدي وتغيير العالم

السيد عباس نورالدين

في القرآن الكريم حقيقتان تبدوان للوهلة الأولى متعارضتين متضادّتين؛ الأولى: تبيّن أنّ الحياة لا يمكن أن تكون بلا فتنة، والثانية: تدعونا إلى القضاء على الفتنة في العالم كلّه.
ذكر الله تعالى أنّ الفتنة تابعة لادّعاء الإيمان، وكأنّها شرط لاختبار إيمان الذين يقولون أنّهم مؤمنون، كما في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}،[i] كما أنّ الفتنة سنّة إلهيّة حتميّة تجري على الكفّار والغافلين كما في قوله تعالى: {أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}.[ii]
ودعا الله المؤمنين لقتال أعدائه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله، وهذه دعوة صريحة للقضاء على جميع عوامل افتتان الناس.
ليست الفتنة ضلالة، لكنّها امتحانٌ خاصّ يحتوي على الضلالة وعلى المغريات وعلى الدعوة إلى الفساد والانحراف. إنّها عبارة عن وضعية معيّنة يمكن أن يسقط فيها الإنسان، أمّا إذا استقام ونجح فسوف يزداد إيمانًا، لأنّ الله تعالى لا يختبر عباده ولا يبتليهم ولا يفتنهم لأجل تضييع إيمانهم، كما قال عز من قائل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.[iii]
ولكن وجود الفتنة في الحياة ليس شرطًا وحيدًا لحفظ الإيمان وتقويته، لكنّها تكون كذلك حين تكون الأوضاع الاجتماعية على نحوٍ معيّن؛ وهذا النحو هو الذي يريد الله تعالى تبديله. وهذا ما يتحقّق ولأوّل مرّة على يد الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، كما جاء في حديثٍ عن محمد بن مسلم قال: "قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام قول الله "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"؟ فقال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخّص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم، لكنهم يُقتلون حتى يوحَّد الله وحتى لا يكون شرك". [بحار الأنوار، ج52، ص 378]
وأحد أبعاد التأويل هو الانطباق والتحقّق، بمعنى أنّ الأمر المذكور في القرآن سيتحقّق ويؤول إلى حقيقته. فتأويل الآية كما نلاحظ، هو انطباقها وتحقّقها في الواقع. والإمام المهدي هو الذي يقضي على الفتنة في العالم، ولا يبقى بواعث للشرك، لأنّ الشرك هو الظلم العظيم وهو السقوط الأعظم والخسران المبين.
إنّ المشكلة الكبرى التي تعاني منها البشرية اليوم هي الشرك والاعتقاد بوجود أسباب متعدّدة (مادّيّة وغيرها) للرزق والسعادة والقدرة وأمثالها؛ وهذا ما يتجلّى في الاعتقاد بالتأثير الحتميّ والمشيئة الغالبة للقوى الشيطانيّة الصغيرة والكبيرة، وما يؤدّي إلى خضوع عددٍ كبير من الناس لهذه القوى والعمل وفق إرادتها المخرّبة والهدامة. فحين ينتفي الشرك، لن يكون للظالمين أتباع يعتقدون بهم ويطبّقون مخطّطاتهم وبرامجهم ومؤسّساتهم. وإذا ضعف الظالمون خسروا وانقرضوا؛ وبانقراضهم وزوالهم، تزول عوامل الفتنة إلى الأبد.
إنّه ذلك المجتمع الذي يتكامل فيه الإيمان ويزداد من دون أن يخضع لهذا النوع من الاختبار، لأنّ أسبابه تكون قد زالت وانقرضت. فلا يكون للشرك جاذبية ودعوة، لأنّ القوى المحافظة عليه انعدمت وانحسرت.
في مجتمع الفتنة يُبتلى الناس في عقائدهم، لأنّهم يرون للكفّار والظالمين سطوة وتأثير على أرزاقهم وعلى مصيرهم (وإن كان هذا مجرّد وهم). لكن هذا الوهم هو أساس الفتنة. وحين يتخلّص الإنسان من الوهم لن يسقط في تلك الفتنة. وما سيتحقّق بفضل جهاد الإمام المهدي يمكن اختصاره بأنّه عليه السلام سيقضي على أسباب هذا الوهم ويهدم أركانه وبواعثه؛ ممّا يعني أنّه لن يبقى في العالم سوى حقيقة واحدة وستظهر هذه الحقيقة للعالمين، وهي التي أشارت تتمّة الآية إليها حيث يكون الدين كلّه لله.
إنّ الدين كلّه لله دائمًا وأبدًا، ولا قدرة واقعية ولا تأثير لأحد دونه، لكن قوله تعالى "ويكون" إشارة إلى التحقّق في عالم الاجتماع والظهور.
فالله مالك يوم الدين، وفي الآخرة تظهر حقيقة التوحيد ووحدانية التأثير والتدبير والفعل الإلهيّ بكلّ درجاتها ومراتبها؛ لكنّ أمرًا ما سيتحقّق في هذا العالم يشبه تمامًا ما يكون في الآخرة (إن لم يكن هذا أحد معاني الآخرة!)، وهو: ظهور حكومة الله تعالى. فإذا ظهرت هذه الحكومة الإلهية للبشر، انتفت معها كل أوهام التأثير والسببية لغير الله، وانتفى معها الشرك؛ وهذا هو معنى "لا تكون فتنة".
إذًا، نحن أمام تحوّلٍ نوعيّ في العالم، ممّا يعني أنّ موجبات الفتنة تزول تمامًا؛ لأنّه لن يكون حينها أي فائدة من ادّعاء الإيمان ولا قيمة للقول دون حقيقة. فالفتنة التي كانت تميّز الإيمان الحقيقي عن الكاذب، كانت حاجة وضرورة، في أزمنة لم يكن الناس فيها قادرين على هذا التمييز إلا إذا مُحِّصوا وفُتِنوا؛ لكن إذا صار الناس قادرين على معرفة المؤمن الواقعيّ، وأصبح المؤمن الواقعيّ في الصدارة، ولم يعد لادّعاء الإيمان الكاذب أي قدرة على النفوذ والتأثير، فلا شك ستنتفي الحاجة إلى تلك الفتنة.
وهذا يعني أنّ ما سيتحقّق على يد هذا الإمام العظيم هو ظهور الإيمان الواقعيّ وانتفاء أي إمكانية للتزوير والخداع، كما حصل في البدايات، حيث سمح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمرور هذا الخداع لحاجة إليه، كما جاء في الحديث نفسه؛ ذلك لأنّ الإسلام في بداياته كان بحاجة إلى أولئك الذين يمكن أن ينصروا الدين، ومع ذلك لن يشمّوا رائحة الجنّة أبدًا. لكنّ التحوّل النوعي الذي يجري على صعيد الإيمان وثباته وقوّته وانتشاره، سيسلب المدّعين المخادعين الفارغين من الإيمان عنصر الحضور والفاعليّة في المجتمع، ويجعلهم منزويين غير قادرين على تغليف الشرك بظاهر الإيمان وتقديمه على طريقتهم. وهذا يعني أنّ الشرك لن يتحرّك ويعمل كما حصل سابقًا. فلا تبقى حاجة لتلك الفتنة.
فالقتال الواقعيّ، الذي يهدف إلى القضاء على الفتنة، هو ذاك القتال الذي يقوّي الإيمان، ويقوم على الإيمان، ويُظهر الإيمان الواقعيّ ويعظّم شأنه في كلّ العالم. وهذا ما سيحدث حين يصبح الصراع، ولأوّل مرّة في التاريخ، صراعًا ومواجهةً دينية حقيقيّة، وهي المواجهة الشاملة والناصعة الساطعة بين كلّ التوحيد وكل أشكال الشرك الذي اختبأ وتستّر بعباءة الإيمان.
سلام الله الكامل التام الشامل العام وصلواته الدائمة وبركاته القائمة التامّة على حجة الله.. صاحب الزمان ومظهر الإيمان وملقّن أحكام القرآن..

 

[i] سورة العنكبوت، الآيات 2-3.

[ii] سورة التوبة، الآية 126.

[iii] سورة البقرة، الآية 143.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center